المقريزي
429
إمتاع الأسماع
ذكر مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته عليه السلام ابتدأ به صلى الله عليه وسلم صداع في أواخر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة . وقال الواقدي : وحدثني أبو معمر عن محمد بن قيس قال : اشتكي صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر سنة إحدى عشرة في بيت زينب بنت جحش - رضي الله تبارك وتعالى عنها - شكوى شديدة حتى قيل هو مجنوب يعني ذات الجنب واجتمع إليه نساؤه كلهن ، اشتكي ثلاثة عشرة وتوفي صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين لليلتين مضيتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة . قالوا : بدئ يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر ، وتوفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول وهو الثبت عندنا . وحدثني معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال : بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة زوجته - رضي الله تبارك وتعالى عنها - وخرج البخاري من حديث يحيى بن أبي زكرياء ، أخبرنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال : سمعت القاسم بن محمد قال : قالت عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - وا رأساه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك ، فقالت عائشة - رضي الله تبارك وتعالى عنها - وا ثكلياه ، والله إني لأظنك تحب موتي ، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنا وا رأساه ، لقد همت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر - رضي الله تبارك وتعالى عنه - وابنه فأعهد أن يقول القائلون ، أو يتمنى المتمنون ثم قلت : يأبى الله ويدفع المؤمنون ، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون . ذكره في كتاب المرضى ( 1 )
--> ( 1 ) ( فتح الباري ) : 10 / 152 ، كتاب المرضى ، باب ( 16 ) ، ما رخص للمريض أن يقول : إني وجع ، أو وا رأساه ، أو اشتد بي الوجع ، وقول أيوب عليه السلام : ( إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) حديث رقم ( 5666 ) قوله : ( باب ما رخص للمريض أن يقول إني وجع أو وا رأساه أو اشتد الوجع ، وقول أيوب عليه السلام : مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . أما قوله " إني وجع " فترجم به في كتاب الأدب المفرد وأورده فيه من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال : " دخلت أنا وعبد الله بن الزبير على أسماء - يعني بنت أبي بكر وهي أمهما - وأسماء وجعة ، فقال لها عبد الله : كيف تجدينك ؟ قالت : وجعت " الحديث ، وأصرح منه ما روى صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال " دخلت على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه ، فسلمت عليه وسألته : كيف أصبحت ؟ فاستوى جالسا فقلت : أصبحت بحمد الله بارئا ؟ قال : أما إني على ما ترى وجع " فذكر القصة ، أخرجه الطبراني . وأما قوله " وا رأساه " فصريح في حديث عائشة المذكور في الباب ، وأما قوله " اشتد بي الوجع فهو في حديث سعد الذي في آخر الباب ، وأما قول أيوب عليه السلام فاعترض ابن التين ذكره في الترجمة فقال : هذا لا يناسب التبويب ، لأن أيوب إنما قاله داعيا ولم يذكره للمخلوقين . قلت : لعل البخاري أشار إلى أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يمنع ردا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم ، فنبه على أن الطلب من الله ليس ممنوعا ، بل فيه زيادة عبادة ، لما ثبت مثل ذلك عن الصوم وأثنى الله عليه بذلك وأثبت له أسم الصبر مع ذلك ، وقد روينا في قصة أيوب لما طال بلاؤه ورفضه القريب والبعيد ، غير رجلين من إخوانه ، فقال أحدهما لصاحبه : لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين ، فبلغ ذلك أيوب - يعني فجزع من قوله - ودعا ربه فكشف ما به " . وعند ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عبيد بن نمير موقوفا عليه نحوه وقال فيه " فجزع من قولهما جزعا شديدا ثم قال : بعزتك لا أرفع رأسي حتى كشف عنه " . فكأنما رد البخاري أن الذي يجوز من شكوى المريض ما كان على الطريق من الله ، أو على غير طريق التسخط للقدر والتضجر ، والله أعلم . قال القرطبي : اختلف الناس في هذا الباب ، والتحقيق أن الألم لا يقدر أحد على رفعه ، والنفوس مجبولة على وجدان ذلك فلا يستطاع تغييرها عما جبلت عليه ، وإنما كلف العبد أن لا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيل إلى تركه كالمبالغة في التأوه والجزع الزائد كان من فعل ذلك خرج عن معاني أهل الصبر ، وأما مجرد التشكي فليس مذموما حتى يحصل التسخط للمقدور ، وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه ، وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر ، والله أعلم . وروى أحمد في " الزهد " عن طاوس أنه قال : أنين المريض شكوى ، وجزم أبو طالب وابن الصباغ وجماعة من الشافعية أن أنين المريض وتأوهه مكروه ، وتعقبه النووي فقال : هذا ضعيف أو باطل ، فإن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود ، وهذا لم يثبت فيه ذلك . ثم احتج بحديث عائشة في الباب ، ثم قال : فلعلهم أرادوا بالكراهة خلاف الأولى ، فإنه لا شك أن اشتغاله بالذكر أولى ا ه . ولعلهم أخذوه بالمعنى من كون كثرته تدل على ضعف اليقين ، وتشعر بالتسخيط للقضاء وتورث شماته الأعداء . وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقا . قوله : " حدثنا يحيى بن يحيى أبو زكريا " هو النيسابوري الإمام المشهور وليس له في البخاري سوى مواضع يسيرة في الزكاة والوكالة والتفسير والأحلام ، وأكثر عنه مسلم ، ويقال إنه تفرد بهذا الإسناد وإن أحمد كان يتمنى لو أمكنه الخروج إلى نيسابور ليسمع منه هذا الحديث ، ولكن أخرجه أبو نعيم في " المستخرج " من وجهين آخرين عن سليمان بن بلال قوله : " وا رأساه " هو تفجع على الرأس لشدة ما وقع به من ألم الصداع ، وعند أحمد والنسائي وابن ماجة من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة " رجع رسول الله ( ص ) من جنازة من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول : وا رأساه " قوله : " ذاك لو كان حي " ذاك بكسر الكاف إشارة إلى ما يستلزم المرض من الموت ، أي لو مت وأنا حي ، ويرشد إليه جواب عائشة ، وقد وقع مصرحا به في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ولفظه . قوله : " ذاك لو كان حي " ذاك بكسر الكاف إشارة إلى ما يستلزم المرض من الموت ، أي لو مت وأنا حي ، ويرشد إليه جواب عائشة ، وقد وقع مصرحا به في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ولفظه . " ثم قال : ما ضرك لو مت قبلي فكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك " وقولها " وا ثكلياه " بضم المثلثة وسكون الكاف وفتح اللام وبكسرها مع التحتانية الخفيفة وبعد الألف هاء للندبة ، وأصل الثكل فقد الولد أو من يعز على الفاقد ، وليست حقيقته هنا مراده ، بل هو كلام كان يجري على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها . وقولها " والله إني لأظنك تحب موتي " كأنها أخذت ذلك من قولها لها : " لو مت قبلي " ، وقولها : " لو كان ذاك " في رواية الكشميهني " ذاك " بغير لام أي موتها لظللت آخر يومك معرسا " العين والمهملة وتشديد الراء المكسورة وسكون العين والتخفيف ، يقال : أعرس ، بنى على زوجته ، ثم استعمل في كل جماع ، والأول أشهر ، فإن التعريس النزول بليل . ووقع في رواية عبيد الله " لكأني بك والله لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك . قالت : فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقولها : بل " بل أنا وا رأساه " هي كلمة إضراب ، والمعنى : دعي ذكر ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي وزاد في رواية عبيد الله " ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه صلى الله عليه وسلم . قوله : " لقد هممت أو أردت " شك من الراوي ، ووقع في رواية أبي نعيم " أو وددت " بدل " أردت " . قوله : " أن أرسل إلى أبي بكر وابنه " كذلك للأكثر بالواو وألف الوصل والموحدة والنون ، ووقع في رواية مسلم : " وابنه " ولفظ " أو " التي للشك أو للتخير ، وفي أخرى " أو آتية " بهمزة ممدودة بعدها مثناه مكسورة ثم تحتانية ساكنة من الإتيان لمعنى المجيئ ، والصواب الأول ، ونقل عياض عن بعض المحدثين تصويبها وخطأه . وقال : ويوضح الصواب قولها في الحديث الآخر عند مسلم " ادعي لي أباك وأخاك " وأيضا فإن مجيئه إلى أبي بكر كان متعسرا لأنه عجز عن حضور الصلاة مع قرب مكانها من بيته . قلت : في هذا التعليل نظر ، لأن سياق الحديث يشعر بأن ذلك كان في ابتداء مرضه صلى الله عليه وسلم وقد استمر يصلي بهم وهو مريض ويدور على نسائه حتى عجز عن ذلك وانقطع في بيت عائشة . ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم : " لقد هممت الخ " وقع بعد المفاوضة التي وقعت بينه وبين عائشة بمدة ، وإن كان ظاهر الحديث بخلافه . ويؤيد أيضا ما في الأصل أن المقام كان مقام استمالة قلب عائشة ، فكأنه يقول : كما أن الأمر يفوض لأبيك فإن ذلك يقع بحضور أخيك ، هذا إن كان المرد العهد بالخلافة ، وهو ظاهر السياق كما سيأتي تقريره في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى ، وإن كان لغيره بالخلافة ، وهو ظاهر السياق ، كما وإن كان لغير ذلك فلعله أراد إحضار بعض مآربها حتى لو أحتاج إلى قضاء حاجة أو الإرسال إلى أحد لوجد من يبادر لذلك . قوله : " فأعهد " أي أوصي . قوله : " أن يقول القائلون " أي لئلا يقول ، أو كراهة أن يقول . قوله : " أو يتمنى المتمنون " بضم النون جمع متمني بكسرها ، وأصل الجمع المتمنيون فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت ، فاجتمعت كسرة النون بعدها الواو فضمت النون ، وفي الحديث ما طبعت عليه المرأة من الغيرة ، وفيه مداعبة الرجل أهله ، والإفضاء إليهم بما يستره عن غيرهم ، وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية ، فكم من ساكت وهو ساخط ، وكم من شاك وهو راض ، فالمعول في ذلك على عمل القلب لا على نطق اللسان .